ما قاسه الباحثون في بني يزقن وفاس: كيف تبدو حرارة الصيف في الأزقة الضيقة
في صيف 2003 حمل فريق بقيادة فازية علي توديرت، من جامعة فرايبورغ، أجهزة القياس ونزل بها سفح التلة في بني يزقن، المدينة القديمة في وادي مزاب بالجزائر. توقف الفريق عند ثمانية مواضع بين الأزقة العليا وساحة السوق، وسجّل في كل موضع حرارة الهواء والرطوبة والرياح وكمية الحرارة التي تصيب شخصاً يقف في المكان. والسؤال مألوف لكل من يعمل على شوارع مدينة قديمة: هل تبرّد الجدران العالية المحيطة بأزقة شديدة الضيق من يمشي فيها، وبكم؟
ممر مسقوف في قصر بني يزقن بالجزائر: سقف منخفض مطليّ بالجير على عوارض خشبية فوق تقاطع أزقة حجرية مدرّجة بين بيوت بلون التراب. Bernard Gagnon, CC BY 4.0, ويكيميديا كومنز.
ثمانية مواضع على طريق واحد
كانت الأزقة ضيقة جداً، وتراوح ارتفاع المباني على جانبيها بين 0.6 و7.5 أضعاف عرض الزقاق. وكانت الجدران من الحجر الثقيل. وكان أحد المواضع ممراً مسقوفاً، واعتمد الفريق ساحة السوق المكشوفة نقطةَ مقارنة. جرت القياسات من السادسة صباحاً حتى منتصف الليل، وبقي الفريق نحو ربع ساعة في كل موضع، على مدى يومين من الصيف نفسه.
ما خرجت به الدراسة يخص جسم الإنسان أكثر مما يخص الهواء. فقد حوّل الباحثون قراءاتهم إلى مؤشر اسمه PET، وهو «درجة الحرارة المكافئة فيزيولوجياً»، يعبّر بدرجة حرارة عن إحساس شخص واقف في المكان. وبلغ المؤشر في ظهيرة الشمس ما بين 53 و55 درجة مئوية في ساحة السوق وفي أوسع الأزقة. أما أدنى قيمة فكانت 37 درجة في الممر المسقوف. ويرى الباحثون أن الظل الذي تصنعه الجدران العالية وسيلة فعالة لتخفيف الضيق الحراري عند مستوى الشارع، وأن الشوارع المسقوفة سجلت أفضل النتائج.
أما حرارة الهواء فكانت إشارتها أضعف. ففي ذروة النهار لم يكن الهواء في الأزقة المظلَّلة أبرد من الهواء المكشوف إلا بدرجتين كلفن، ولم يجد الفريق علاقة واضحة بين نسبة ارتفاع الزقاق إلى عرضه وبين حرارة هواء. وكان أعمق زقاق، عند طرف المدينة، «ليس بارداً كما كان متوقعاً»، ويرجّح الباحثون أن السبب تبادل الهواء مع الأراضي المكشوفة المجاورة. فلو قاس أحدهم الحرارة بمحرار وحده لبدا له أثر الظل أصغر مما هو. الفرق كان في ضوء الشمس وفي الحرارة التي تشعّها الأسطح.
ثمن الجدران الثقيلة في الليل
الحجر السميك والأزقة العميقة يحتفظان بالحرارة أيضاً. يكتب المؤلفون أن الجمع بين سعة حرارية عالية ونسب ارتفاع كبيرة يبطئ خروج الحرارة من أسطح الأزقة بعد الغروب ويؤخر تبرّد المدينة، ويضيفون، نقلاً عن دراسات سابقة، أن ذلك يطيل الضيق داخل البيوت ليلاً. أما قراءاتهم الليلية فلم تُظهر فروقاً تُذكر بين الأزقة: بعد التاسعة مساءً بلغ متوسط حرارة الهواء 32.5 درجة في كلها. وتبرّدت الساحة المكشوفة أسرع، فكانت أبرد بدرجة ونصف الدرجة عند منتصف الليل.
وللدراسة حدود يذكرها أصحابها. فهي تصف يوم صيف نموذجياً، والمؤشر PET قيمة محسوبة، ولم يسأل الفريق السكان عن مقدار ما شعروا به من حر.
زقاق ضيّق مدرّج بين جدران عالية مكسوّة بالجص في قصر بني يزقن بالجزائر، يصعد نحو قوس مطليّ بالجير يمتد فوقه بناء يعبر الزقاق. Bernard Gagnon, CC BY 4.0, ويكيميديا كومنز.
فاس: شارع عميق وآخر ضحل، صيفاً وشتاءً
قاس إريك يوهانسون، من جامعة لوند، الحرارة قياساً متواصلاً طوال صيف حار وشتاء بارد في فاس بالمغرب، في شارع شديد العمق وآخر ضحل. نهاراً وفي الصيف كان الشارع العميق أبرد بكثير: بلغ متوسط أكبر فرق يومي 6 كلفن، ووصل إلى 10 كلفن في أشد الأيام حرارة. ويشير تقييم المؤشر PET إلى أن الشارع العميق كان مريحاً إلى حد مقبول في الصيف، وأن الضحل كان غير مريح إلى أقصى حد.
وفي الشتاء انعكست الصورة. صار الشارع الضحل أكثر راحة لأن الشمس تصل إليه. ويرى يوهانسون أن المدينة التي لها موسم بارد تفيدها بعض الشوارع الأوسع أو الساحات المفتوحة لتتيح وصول شمس الشتاء. وفي المدن السورية الداخلية شتاء بارد أيضاً، ولهذا قد يكون لنتيجة فاس وزن يعادل وزن النتيجة الصحراوية. أما قياسات بني يزقن فتغطي الصيف وحده.
ما هو متاح عن المدن السورية
اختبرت ورقة نُشرت عام 2013 في مجلة Journal of Housing and the Built Environment تصاميم الشوارع في دمشق باستخدام برنامج المحاكاة ENVI-met، لا بالقياس الميداني. ووجدت أن نسبة الارتفاع إلى العرض واتجاه الشارع والأشجار تؤثر كلها بقوة في حرارة سطح الأرض وفي الراحة الحرارية في الشوارع التي تصطف على جانبيها أبنية متلاصقة. أما في شوارع الأبنية المنفصلة فكان أثر الاتجاه والنسبة ضعيفاً، وأثر الغطاء النباتي كبيراً. وفي رسالة بحثية من جامعة لوند عن دمشق قياسات ومقابلات في الصيف والشتاء، لكنها تركز على الأحياء الحديثة أكثر من المدينة القديمة. لم أستطع فتح أي مصدر يقيس الظل في أزقة دمشق القديمة أو حلب، ولهذا لا يمكن نقل أرقام الجزائر والمغرب إليها مباشرة. والمدن الساحلية الرطبة، مثل اللاذقية، مناخها مختلف أيضاً، ولا تغطيها هذه الدراسات.
زقاق ضيّق جداً وعميق في المدينة القديمة بفاس في المغرب، بين جدران عالية تفصل بينها دعامات خشبية في الأعلى، كانون الثاني 2011. Michal Osmenda from Brussels, Belgium, CC BY-SA 2.0, ويكيميديا كومنز.
مصدر: ظل مخطَّط في شوارع تتسع للسيارات
حاولت مدينة مصدر في أبوظبي أن تحتفظ بظل الشوارع القديمة وتسمح بحركة المركبات في آن واحد. وبحسب دراسة مقارنة نُشرت عام 2016 في Architectural Science Review، حُدّد عرض الشوارع الرئيسية بـ14 متراً كحد أقصى والثانوية بـ8.5 أمتار، وبرزت الطوابق العليا إلى الخارج فضاق الشارع عند مستوى الأرض. وتصف تلك الدراسة التصميم ولا تورد قياسات. ونقلت «الغارديان» عام 2016 أن أقل من 5 في المئة من المخطط الأصلي قد بُني، فالمنجز من الشوارع قليل أصلاً. ولم أجد دراسة تقيس مدى برودة شوارعها بعد إنجازها.
ما لا يزال مفتوحاً
لا تبيّن هذه المصادر كم من نتيجة بني يزقن يصمد في أزقة تختلف عنها في العرض ومادة الجدران والاتجاه. ولا تبيّن كذلك كيف جرى في الواقع، في أي مكان، التوازن بين ظل الصيف وشمس الشتاء ومرور المركبات وسيارات الطوارئ.