هل يمكن لإغلاق طريق أن يحلّ الازدحام؟ ما الذي تقوله مفارقة بريس فعلاً
برودواي هو الشارع الوحيد في مانهاتن الذي يرفض الشبكة المنتظمة. يقطع الجادات بخط مائل، وحيث يتقاطع معها تنشأ تقاطعات متشابكة متعددة الأذرع. رأت دائرة النقل في مدينة نيويورك في ذلك مشكلة «مخبّأة في وضح النهار»: ازدحاماً ومعدلات حوادث أعلى عند هذه التقاطعات منها عند غيرها من تقاطعات الجادات في مانهاتن، وفي تايمز سكوير خاصة مشاة كثيرون على رصيف ضيق يسيرون في الشارع المخصص للسيارات.
ميدان هيرالد في نيويورك بعد إخراج برودواي من منظومة السير: ساحة للمشاة فيها طاولات ومظلات إلى جانب المسارب المتبقية. من عرض ورشة التصميم المبني على البيانات؛ ويُستكمل ذكر المصدر الأصلي لاحقاً.
التجربة
في عام 2009 جرّبت المدينة ما يبدو عكس معالجة الازدحام. ففي مشروع تجريبي باسم «الضوء الأخضر لوسط مانهاتن» أخرجت برودواي من منظومة السير عند ميداني تايمز وهيرالد. لم تُعِد بناء شيء، فالتقرير يصف المواد بأنها مؤقتة، ولذلك يمكن التراجع عن كل شيء إن انقلبت الأرقام. وبعد حذف ذراع برودواي من كل تقاطع، صار بوسع الإشارات أن تمنح جادة 7 وقتاً أخضر أكثر بنسبة 8٪، وجادة 6 أكثر بنسبة 66٪.
ثم قاست الدائرة، بحركة سيارات الأجرة عبر نظام تحديد المواقع، وبـ 5,723 رحلة اختبار موقوتة في غرب وسط المدينة، وبسجلات إصابات الشرطة وأعداد المشاة والاستطلاعات، ونشرت النتائج في كانون الثاني 2010.
تايمز سكوير قبل مشروع «الضوء الأخضر لوسط مانهاتن»: سيارات أجرة وسيارات وحافلة تملأ الطريق، والحشود مضغوطة على الأرصفة. من عرض ورشة التصميم المبني على البيانات؛ ويُستكمل ذكر المصدر الأصلي لاحقاً.
ماذا قالت الأرقام
انخفضت الإصابات. هبطت إصابات من كانوا في المركبات بنسبة 63٪ في منطقة المشروع، وإصابات المشاة بنسبة 35٪. وإصابات المشاة تعني 37 إصابة قبل التغيير و24 بعده، بحسب بيانات أولية للشرطة تقارن حزيران إلى تشرين الثاني 2009 بالأشهر نفسها من السنوات الثلاث السابقة. وفي تايمز سكوير بلغ الانخفاض 40٪، وفي هيرالد سكوير 53٪.
غادر الناس الطريق. قلّ المشاة الذين يسيرون في الشارع نفسه بنسبة 80٪ في تايمز سكوير، وزاد عدد من يمشون على امتداد برودواي وجادة 7 هناك بنسبة 11٪.
لم تختنق الحركة، لكنها لم تتحسن في كل مكان. كانت رحلات سيارات الأجرة شمالاً في غرب وسط المدينة أسرع بنسبة 17٪، مقابل 8٪ في شرقه الذي اعتُمد منطقةَ مقارنة. وكانت الرحلات جنوباً أبطأ بنسبة 2٪ في الغرب وأسرع بنسبة 3٪ في الشرق. أما الرحلات العرضية بين الجادة الخامسة والجادة الحادية عشرة فاستغرقت وقتاً أطول بنسبة 13٪. وكتبت الدائرة نفسها أن نتائج الشوارع العرضية شديدة التباين.
أوصت الدائرة بجعل التغييرات دائمة. وانظر إلى ما يدّعيه التقرير: مركز أكثر أمناً وهدوءاً، وحركة سارت على الجادات تقريباً كما كانت من قبل، على حساب الشوارع العرضية بعض الشيء. ولا يقول التقرير إن إغلاق الطريق جعل الحركة أسرع في كل مكان.
فلماذا لا يؤدي حذف جزء من الطريق إلى اختناق المدينة؟ أحد الجوابين هندسة سير عادية، وهو الجواب الذي يقدّمه التقرير: بعد حذف ذراع برودواي من كل تقاطع صارت الإشارات أبسط وصار للجادات وقت أخضر أطول. والجواب الآخر نتيجة من نظرية الألعاب مشهورة، وكثيراً ما تُنقل خطأً، وتستحق أن تُفهم على وجهها.
الرياضيات: مفارقة بريس
أثبت عالم الرياضيات ديتريش بريس عام 1968 أن إضافة طريق إلى شبكة قد تجعل كل رحلة أبطأ. وهذا هو المثال المعتاد.
مثال محسوب آخر على الأثر نفسه: مع طريقين منفصلين تستغرق الرحلة 65 دقيقة في المجموع، وعند إضافة وصلة مجانية بين نقطتي المنتصف يرتفع الزمن إلى 80 دقيقة. ويظهر الأثر نفسه بنوابض على اليمين. Cmglee, CC BY-SA 4.0, ويكيميديا كومنز.
ستة سائقين ينتقلون من نقطة إلى أخرى. يختار كل سائق أسرع طريق له، وتستغرق كل رحلة 83 دقيقة. تُضاف وصلة جديدة فيجد كل سائق، على حدة، أن من مصلحته التحوّل إليها. والنتيجة أن كل رحلة تستغرق الآن 92 دقيقة. وإغلاق الوصلة يعيد 9 دقائق، أي توفيراً بنسبة 9.8٪.
لم يُسئ أحد التصرف. اختار كل سائق أفضل طريق بحسب ما يفعله الآخرون، فانتهوا معاً إلى حال أسوأ. ويسمّي المخططون هذه الحالة «توازن المستخدمين»، ويسمّون الطريق الذي يسبب المشكلة «وصلة بريس».
وهناك شرطان يُبقيان الأثر ضيقاً:
يحتاج إلى نطاق معيّن من الطلب. في هذه الشبكة تظهر المفارقة فقط بين نحو 2.6 و8.9 مركبة. وعند عدد أقل أو أكبر لا تضرّ الوصلة الإضافية.
يحتاج إلى روابط متقاطعة. الشبكات البسيطة المتسلسلة المتوازية محصّنة منه.
كم مرة يحدث ذلك في المدن الحقيقية؟
أقل مما توحي العناوين. ففي العدّ المنهجي الوحيد على شبكات شوارع حقيقية (بوسطن ولندن ونيويورك) كانت 2.4٪ إلى 3.8٪ من الروابط فقط وصلات بريس، وكان ذلك العدّ يختبر أزواجاً مفردة من نقاط الانطلاق والوصول. وفي نموذج معايَر لمدينة وينيبيغ وفّرت أفضل توليفة من 62 إغلاقاً 0.86٪ من إجمالي زمن السفر. كما أن مجموعة الروابط الضارة تتغيّر بتغيّر حجم الحركة، فتشغيل واحد للنموذج لا يثبت شيئاً.
وتحكي إغلاقات حقيقية أخرى القصة المتفاوتة نفسها. فبعد إغلاق ضفة النهر في باريس عام 2016 لم يجد التقييم الإقليمي «تبخّراً» للحركة بعد عام: زادت الحركة على الأرصفة العليا وطال زمن الرحلات المسائية هناك بنسبة 65٪. وفي 62 مشروعاً مراقَباً في الأدبيات كان وسيط صافي خسارة الحركة 10.6٪ من الحركة التي كانت تستعمل الطريق المعالَج، لكن الحركة ازدادت في 11 مشروعاً من الاثنين والستين.
قد يقلّل إغلاق الطريق الحركة، أو ينقلها إلى مكان آخر، أو يفعل الأمرين. وما يحدث فعلاً يتوقف على الطرق البديلة والنقل العام ومدى تعديل الناس لرحلاتهم.
ماذا نفعل بهذا
عامِل مفارقة بريس على أنها مولّد فرضيات، وابدأ كما بدأت نيويورك، بتجربة يمكن التراجع عنها وعدّ قبل التغيير وبعده:
ابنِ شبكة الشوارع وتقديراً للطلب.
أوجد توازن الحركة (كل سائق على أسرع طريق له).
أزِل كل رابط بدوره وأعد الحل.
كرّر عند طلب أقل وأعلى، وسجّل من يخسر كما تسجّل من يربح.
وبأدوات مجانية (AequilibraE وOSMnx في بايثون) يستغرق مسح حي كامل بإزالة كل رابط على حدة من دقائق إلى ساعات. وفي اختبارات ورشتنا لم نجد في شبكة سيوكس فولز (شبكة اختبار معيارية) أي إزالة مفيدة، ولم يُظهر حي في لندن وصلة بريس متينة. وعدم العثور على شيء نتيجة صحيحة، وتستحق أن تُدرَّس.
لماذا يهمّ هذا المدن التي تعيد بناء شبكاتها: اختبار التدخل في نموذج، أو في تجربة يمكن التراجع عنها، أرخص من بنائه ثم اكتشاف نتيجته.