في عام 1284 شرع سلطان في القاهرة ببناء مستشفى. كان قلاوون قد مرض مرضاً شديداً في الشام قبل سنوات، وشُفي بدواء وصفه له طبيب في البيمارستان النوري بدمشق، الذي أنشأه نور الدين زنكي عام 1154 وما يزال قائماً اليوم متحفاً للطب والعلوم. فنذر أن يبني مثله. ويقول النقش فوق المدخل إن المجمّع كله، المستشفى والمدرسة والقبة، اكتمل في 13 شهراً، وإن المستشفى أُنجز أولاً. وكان يعيش من ريع عقارات موقوفة عليه في المدينة، قدّره المقريزي بمليون درهم في السنة، ذهب معظمه إلى المستشفى. وفي الداخل وُزّع المرضى بحسب عللهم، وفي كل إيوان من الإيوانات الأربعة شاذروان ماء، ومن خرج معافى أُعطي مالاً وكسوة.
ثم انظر إلى الباب. حين فُتح المجمّع كان عند بابه حوض لسقي الدواب. تراكم الروث وآذت رائحته الناس، فنقل ناظر المستشفى الحوض عام 1326 وأقام مكانه سبيلاً يشرب منه المارّة. وبعد عشرين سنة أضاف أمير آخر سبيلاً وكُتّاباً: ماء للعابرين في الأسفل، ومكتب يعلّم الأيتام قراءة القرآن وكتابته في الأعلى.
في هذه الزاوية حجة هذا النص كلها: بناء يُموَّل ويُسقى ويُصحَّح بحسب ما يفعله الناس به.
صورة قديمة لقبة مجمّع قلاوون ومئذنته وجداره ذي العقود في القاهرة، وخلفها المدينة. K. A. C. Creswell, Public domain, ويكيميديا كومنز.
ما بُني ليُستعمل
خالد عزب، مدير المشروعات السابق بمكتبة الإسكندرية، كرّس لهذا السؤال أكثر من كتاب، منها «فقه العمران: الدولة والمجتمع والعمارة في حضارة المسلمين». لم أستطع قراءته، وما يلي مبني على حوار أجراه عزب مع إسلام أون لاين في شباط/فبراير 2023 عن كتبه في العمران، وعلى عرض نشرته الجزيرة نت في حزيران/يونيو من السنة نفسها لكتابه «المجتمع والعمران.. نفوذ الناس في الحضارة الإسلامية» الصادر في الدوحة.
تعريف عزب لعلم العمران واضح: هو «العلم الذي يسعى لتحقيق سعادة الإنسان في الحياة الدنيا». ويتبع ابن خلدون في شروط موضع المدينة، هواء صحيح وماء «بأن يكون البلد على نهر أو بإزائه عيون عذبة»، ويقول إن فقه البناء يمتد «إلى فقه المياه في الحضارة الإسلامية». والمباني عنده شهادة؛ فبدراسة ما بقي منها «نستطيع أن نقرأ الماضي ونفسِّر حركة العمران في هذه الحضارة».
وتلخّص الجزيرة نت أطروحة الكتاب اللاحق في جملة: «فالناس وليس الحكام -كما يقول الكتاب- هم من شادوا صروح التعليم والمكتبات، وهم من شادوا منشآت توفير المياه للإنسان والحيوان في شوارع المدن». واستند عزب إلى «كتب النوازل والفقه وسجلات المحاكم الشرعية والوقفيات». ومثاله السوري الوحيد في العرض خان العطنة، «شمال جيرود في الطريق الواصل بين دمشق وحمص»، الذي بناه أمير توفي سنة 631هـ/1233م. والوقفية المنقوشة على مدخله تنصّ على «نصف رطل من الخبز» لكل عابر ومسافر، وعلى أن «يعطى لمن وصل هذا الفندق من الفقراء ما تحتاج الدابة من النعال».
ورأى جون ماندافيل، في مجلة أرامكو وورلد عام 1973، النمط نفسه: آلاف لا تُحصى من أصحاب الدكاكين والفلاحين وسائر الناس العاديين أوقفوا أوقافاً صغيرة؛ وفي كل قرية وحيّ نافورة تحمل نقش وقفها، بعضها ضخم وبعضها أنبوب بسيط يخرج من الحجر؛ وقنوات وصهاريج وخانات. وكان في دمشق مستشفيان معروفان في العالم العربي كله، موقوفان بالكامل، يغطي وقفهما الطعام والمبيت والعلاج والدواء. ويضيف أن المهاجر الذي نجح في الغربة كان يعود إلى بلدته فيوقف نافورة.
من مواد المكان
لم يُبنَ شيء من هذا إلا من المكان نفسه. فبيوت دمشق القديمة من الحجر الكلسي الأبيض والبازلت الأسود المقلوعين جنوب المدينة، على هيكل من الحجر وخشب الحور يُرصّ الطوب بين أضلاعه. واللبن، كما تذكر صفحة لبرنامج الآغا خان في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عن ترميم قصر العظم، هو الطريقة الأيسر والأكثر شيوعاً لبناء الجدران الترابية في سوريا، وسماكة الجدار الترابي هي عزله. وفي الداخل بحرة تحجب ضجيج الشارع وتبرّد هواء الصيف، وإيوانان ينتقل بينهما أهل البيت: الجنوبي للظل في الصيف، والشمالي للشمس في الشتاء.
وسار الفقه على المنطق نفسه. يتتبّع سيمون أوميرا (2009) مجموعة نصوص مالكية، من الأندلس في القرن العاشر الميلادي إلى تونس في القرن الرابع عشر، في القضاء ونفي الضرر عن الأفنية والطرق والجدر والمباني والساحات والشجر. ومسائلها مسائل البيت اليومي: دخان فرن الجار أو حمّامه، وباب يُفتح قبالة باب أحدهم، ومئذنة تكشف صحن دار. ولا يرى أوميرا في هذا الفقه مدوّنة بناء، بل جمالية قانونية لا تعمل إلا حين يشكو أحد، ويصف المدن القديمة بأنها ثمرة تجربة طويلة في التصميم العمراني العربي الإسلامي، تضرب جذورها في ما قبل الإسلام وانحدرت مع الحداثة. وينبّه أيضاً إلى أن كتاب بسيم حكيم الشهير يميل إلى التبسيط.
مئذنة مجمّع قلاوون في القاهرة. Jorge Láscar from Melbourne, Australia, CC BY 2.0, ويكيميديا كومنز.
البيت فراغٌ تحيط به الجدران
انظر إلى مخطط أي من هذه المباني، فالمبنيّ فيه أقلّ ما فيه. قصر العظم قائم حول ثلاث باحات، ولا يطلّ على الشارع إلا بجدار أصمّ يكاد يخلو من النوافذ وفيه باب أو بابان. والبيمارستان النوري أربعة إيوانات متناظرة حول صحن مكشوف، عشرون متراً في خمسة عشر، تتوسطه بركة. وبيمارستان قلاوون احتفظ بإيواناته الأربعة وشاذرواناتها، ومدرسته صحن في الوسط تحيط به قاعة الصلاة والإيوانات والمهجع. البيت والمستشفى والمدرسة شكل واحد: غرف حول قطعة من السماء.
وذلك الفراغ هو الذي كان يعمل. في مقال نشرته ميدان الجزيرة عام 2019 تقول هلا قصقص، الأستاذة المساعدة في كلية الفنون الجميلة بدمشق، إنه «تنفتح المنازل نحو الداخل (القلب) بدلا من الخارج (العالم)». ويذكر المقال أنه «شُيّدت هذه الدور متلاصقة في حارات ضيقة متزاحمة لتقليل الأسطح المعرضة للشمس»، وأن «تباين الضغط والحرارة بين الخارج والأفنية الداخلية» ولّد «تيارات هوائية تقيهم حر الصيف». تدخل من «دهليز ضيق متعرج، يفصلك تماما عن عالم الخارج» قبل أن تنكشف لك أرض الديار. وفي الجنوب الإيوان، «غرفة مرتفعة السقف بعلو طابقين»، وقبالته القاعة، غرفة الاستقبال الشتوية، حيث جلّ نشاط الدار وضيوفها؛ وتصف متاحف قطر غرفة دمشقية منها اكتمل بناؤها عام 1232هـ بأنها غرفة استقبال فيها «منطقة جلوس مرتفعة (طزر)» تمتد على جدرانها المفارش والوسائد.
ولا ينتهي الفراغ عند الباب، بل يتدرّج. فالحديث يجعل الطريق المختلَف في عرضه سبعة أذرع، ويقرأها بسيم حكيم عرضاً يسمح بمرور جملين محمّلين، أي ما بين 3.23 و3.50 متراً. أما الأزقة والدروب المسدودة فلها في الفقه حكم آخر: طرق شبه خاصة لا تتبع إلا الدور المحيطة بها، لا يتدخل فيها أحد ما دام أهلها متفقين، وفي المدينة المنوّرة يُسمّى الدرب المسدود حوشاً كما يُسمّى فناء الدار. والفِناء، الشريط أمام الباب، حقّ لمن له باب يفتح على الطريق، فيه تُحطّ الأحمال وتُبنى المصاطب؛ ويذكر هوشيار نور الدين في أطروحته أن الكلمة تعني الاتساع، وأنها تُطلق على صحن الدار وعلى الساحة أمامها معاً. ولهذا كان الفقه الذي يصفه أوميرا يرفع نوافذ رجل إلى نحو 220 سنتيمتراً ويمنع أن يُفتح باب قبالة باب: فهو فقه الفضاء شبه الخاص والعام في المدينة لا داخل البيوت، ولا يرى من الدار نفسها إلا غياباً يُصان من التطلّع إليه.
ما خسرته مدينة الخرسانة
هنا يكفّ النص عن النقل ويبدأ الجدل. الفولاذ والخرسانة المسلّحة يُصبّان في أي مكان ولا ينتميان إلى مكان. لا يحتاجان إلى مقلع قريب، ولا إلى بنّاء يعرف الحجر، ولا إلى جذع حور، ولا إلى رضا الجار، ولا إلى وقف يُبقي سبيلاً جارياً عند الباب. والبناء الخرساني في دمشق لا يعرف أنه في دمشق: جدرانه رقيقة، وصحنه ذهب، والراحة التي كان يمنحها الجدار السميك والفناء المظلّل تُشترى اليوم بالكهرباء. هذا رأي لا نتيجة بحث. غير أن تفصيلاً واحداً نتيجةُ بحث: فأطروحة دكتوراه في جامعة لوند عام 2014 عن دمشق تلاحظ أن أنظمة التخطيط القائمة في المدينة لا تشترط أي تظليل للمشاة. والزقاق القديم لم يكن يحتاج إلى شرط. لكن أمرين يقولان إنه ليس حنيناً.
الأول: أطروحة دكتوراه لكندة موصلي في جامعة بولونيا عام 2016 جمعت قياسات في بيوت دمشقية تقليدية مع نمذجة حاسوبية، وقدّرت أن نقل أساليبها السلبية، الجدران الثقيلة والتهوية الطبيعية، إلى الشقق الجديدة يخفض الحاجة إلى الطاقة في دمشق بنسبة 30 إلى 45%. أرقام من نموذج، لكنها أرقام.
والثاني: أن الأمر جُرّب. فقد بنى حسن فتحي قرية القرنة الجديدة قرب الأقصر من دون الفولاذ والخرسانة، من اللبن بأفنية وسقوف مقبّبة، وعلّم أهل القرية العمل بالطوب بأيديهم. أما مصير القرية بعد ذلك فحكاية أخرى.
ما تستطيعه مدينة سورية اليوم
أشياء صغيرة، بروح السبيل عند باب قلاوون.
تصوير الوقفيات المنقوشة الباقية على خانات سوريا وأسبلتها وأبوابها ونسخها، بدءاً من خان العطنة.
البحث عن مكان حفظ الوقفيات السورية، في سجلات المحاكم التي اعتمد عليها عزب، ونشر ما تقوله عن وظيفة كل بناء.
حين يُعاد بناء بيت متضرر في حيّ قديم، فليُبنَ بالحجر والتراب والخشب التي بُني منها، وعلى يد بنّاء يعرفها، قبل الإسمنت.
إحياء السبيل: صنبور عام في الشارع يرعاه صندوق للحيّ ويحمل اسم من تبرّع به. ومهاجر ماندافيل العائد نموذج يصلح لأهل الشتات.
الجمع بين الماء والمدرسة كما فعل السبيل والكُتّاب: بناء صغير واحد، منفعة عامة في أسفله وصفّ في أعلاه.
القياس قبل الجدل: صيف واحد، وبيت قديم ذو فناء وشقة جديدة في الشارع نفسه، وميزان حرارة في كل منهما.
ما لا يستطيع هذا النص إثباته
لم أقرأ «فقه العمران» نفسه؛ والحوار والعرض عن مؤلف واحد ومن حوله. ومقال ماندافيل مادة مجلة من عام 1973 بلا أرقام. وصفحات مشروع قلاوون تعتمد على مؤرخي العصر الوسيط، ولا تحسم مسألة من كان يُقبل في المستشفى: فالجزيرة نت تلخّص قول عزب إن الوقف كفل الرعاية الصحية «لكل مقيم بالبلد؛ غني أو فقير، مواطن أو غريب»، بينما يقول مشروع قلاوون، نقلاً عن تذكرة ابن حبيب، إن المستشفى قبل جميع المسلمين، عسكريين ومدنيين، بلا حد لمدة الإقامة، ولم يقبل اليهود والمسيحيين مرضى فيه. نص الوقفية هو الذي يحسم، ولم أطّلع عليه. ولا يقيس أي مصدر حصة المتبرعين العاديين مقارنة بالحكام. والمواد الموصوفة هي مواد بيوت دمشق لا كل مدينة سورية، وأرقام موصلي من نموذج حاسوبي. وينبّه ماندافيل أيضاً إلى أن كثيراً من الأوقاف خدمت أسرة الواقف أولاً ولم تصل إلى الفقراء إلا بعد انقراض النسل. والاقتباسات من المصادر الإنجليزية مترجمة هنا بتصرّف. وهذا النص قراءة بمساعدة الذكاء الاصطناعي لمصادر منشورة، وينبغي أن يُقرأ على هذا الأساس.